احتلال حقل الفكة .... حدث ودلالات
إن احتلال
حقل الفكة لا يمكن أن يختزل إلى احتلال ارض أو السيطرة على بئر نفط فحسب ، بل ان
دلالات الحدث هي اكبر من ذلك وبعضا منها يمثل نقاط تحول لعراق في آليات الصراع
والسيطرة التي يسير عليها الجانب الإيراني وطريقة تعامله مع الملف ا لعراقي، وان من
بين دلالات الحدث...
أولا: أن
الكل يعلم ويدرك أن الإستراتيجية الإيرانية تجاه الملف العراقي هي التدخل في الشأن
العراقي والسيطرة على المقدرات العراقية وان هذه الإستراتيجية ثابتة ولكن التكتيك
يتغير وفقا لطبيعة المرحلة ومتطلبات الصراع وان التكتيك الذي اتبعته إيران طيلة
المرحلة السابقة هي استخدام النفوذ من خلال استخدام أدواتها في العراق التي تعمل
بالنيابة لبسط السيطرة الإيرانية، وما حدث اليوم هو نقطة تحول في التكتيك الإيراني
، فإيران اليوم باتت مستعدة لتغير تكتيكها واستخدام الاحتلال المباشر بدل من النفوذ
أن تطلبت المصلحة الإيرانية لذلك.
ثانيا: إن
توقيت هذا الحدث جاء قبيل الانتخابات البرلمانية القادمة والهدف منه هو اختيار مدى
قابلية القوى التبعة لإيران والتي تشكل حكومة المنطقة الخضراء من أن ترضخ للضغوط
الإيرانية وان تبقى على درجة عالية من السمع والطاعة والولاء لعمائم طهران وان
كلفها ذلك أن تتحمل ضغط الشارع العراقي، وبالتالي أن الحدث يضم في طياته حبا لنبض
ولاء القوى السياسية الشيعية الموالية لطهران كي يتسنى لطهران إعادة تقييم أدواتها
في العراق، وان الحدث ابرز درجة عالية من الولاء والتبعية وان تلك لقوى قد نجحت في
الاختبار.
ثالثا: إن
هذا الحدث جاء بعد جولة التراخيص الثانية والتي كان مدرجا ضمنها حقل الفكة على
قائمة الحقول المطروحة للمناقشة، وبالتالي، فان الحدث يحمل عدة رسائل، فثمة رسالة
للحكومة العراقية مفادها انه رغم الطاعة والتبعية التي تبديها الحكومة فان هناك
خطوطا حمراء لا ينبغي أن تتخطاها حكومة المنطقة الخضراء ومن بينها النفط وإنتاجه
والسياسة النفطية، ورسالة أخرى للغرب الأمريكي مفادها، أن المصالح العراقية تحصل من
خلال البوابة الإيرانية.
رابعا: أن
الطرف الإيراني أراد أن يرسل رسالة للمفاوضين الأمريكان والغرب حول الملف النووي
الإيراني مفادها، أن إيران تملك من أوراق الضغط ما يؤهلها لقلب الطاولة في عموم
الشرق الأوسط وفرض وقائع على الأرض تجبر أمريكا والغرب على التراجع او التعامل معها
بأسلوب جديد، وان من بين دلالات ذلك ما صرح به احمدي نجاد بعد خمسة أيام من احتلال
حقل الفكة حيث قال: إن إيران هي الدولة الأقوى في المنطقة وإنها تملك الكلمة الفصل
في الشرق الأوسط وان أمريكا والغرب يدركون تلك الحقيقة جيدا.
خامساً:
تساءل البعض عن برودة الرد الأمريكي على الإحتلال الإيراني ولماذا لم تترك القوات
الأمريكية تجاه الموضوع وخاصة. إن حكومة المنطقة الخضراء قد وقعت اتفاقيتين مع
الجانب الأمريكي إحداها إتفاقية أمنية ؟
والجواب يكمن
ان الموقعين على هذه الاتفاقية لم يضمنوها شيئا يلزم الجانب الأمريكي بالدفاع عن
الحدود العراقية في حال تعرضها لعدوان خارجي ، بل انهم تنازلوا للمحتل الأمريكي عن
حقوق العراقيين وأعفوه من تبعات الإحتلال من إلزامٍ له بجماعة سيادة العراق
المنقوصة .
سادساً: إن
هذا الحدث هو إثبات لعجز العراق حماية أمن وحدوده تجاه الأطماع والتدخلات الخارجية
، ومن يعجز عن حماية نفسه فهو بالضرورة لا يمثل أي عنصر خطر على دول الجوار ولا
يهدد الأمن والسلم الدوليين وبالتالي فلا مبرر لإبقاء العراق تحت البند السابع
باعتباره عنصر خطر على الأمن والسلم الدوليين وعليه فلو كانت الحكومة هي حكومة ونية
تبحث عن مصالح البلد لأنارت ذلك في الأعلام والمحافل الدولية .
سابعاً: إن
رد حكومة المنطقة الخضراء وقواتها السياسية المؤتلفة فيها كان أكثر من خجول إن لم
يكن غير مهذب في بعض الأحيان فرئيس الوزراء يغادر للقاهرة ويترك الأزمة تتفاقم خلفه
والنقمة الشعبية تتنامى . ومن جهة أخرى يخرجه موفق الربيعي ناطقاً باسم الائتلاف
الموحد ليدو لحلول وصفها بكلمات في منتهى والشاعرية والرومانسية حيث دعي: "لحل
الموضوع بطريقة دبلوماسية هادئة جداً".ولينتقد النقمة الجماهيرية والتي وصفها بـ:
"العنتريات الإعلامية" .
وسؤال يطرح
نفسه : هل العنتريات الإعلامية متاحة ومباحة للحكومة تجاه الدول العربية بعد كل حدث
ومن غير دليل كما يحدث دائماً تجاه سوريا والسعودية مثلاً ... وأين دبلوماسيتهم
الهادئة جداً تجاه الدول العربية.
وليس أغرب من
مؤتمر صحفي عقدته نائبة في الائتلاف وحشدت له عدداً ضخماً من الفضائيات في ذروة
أزمة حقل الفكة ... لكن المفاجئة كانت عندما تبين إن النائبة قد أقامت الدنيا ولم
تقعدها على دخول صيادين قطريين إلى الأراضي العراقية بعد حصولهم على تأشيرة رسمية
لصيد بعض الطيور في الأراضي العراقية .. ونسأل ألم يتناهى إلى سمع تلك النائبة وجود
احتلال إيراني للأراضي العراقية أم إن الحديث عن الاحتلال الإيراني هو عربدة لا
تليق بائتلافهم..
د. أيمن عبد العزيز
17 محرم 1431
2 كانون الثاني 2010
م