استعلاء العراقي يهدم الصَلَف العدواني
محمد أحمد الراشد
من رسالة ( قمرنا العالي )
كُتبت في العام الثاني للاحتلال
نقاط الضعف في الجانب الأميركي
تتضاعف آثار
مواطن تفوق المقاومة إذا قورنت بنقاط ضعف عديدة أخرى في المعسكر الأميركي ، وهذا
واضح بالبداهة ، فإن كل جانب ضعف لدى العدو يعتبر جانب قوة للجهاد ، وتتجلى جوانب
الضعف هذه في مثل النقاط التالية :
أميركي ... لكنه يُنفذ خطة إسرائيل
( 1 ) انقسام
الجانب الأميركي إلى مدرستين وفهمين ونمطين في التعامل مع طريقة استمرار الاحتلال ،
وذلك لأن خطوة احتلال العراق - إذ هو بلد متقدم نوعاً ما فكرياً وما تزال فيه بعض
رواسب الحضارة القديمة وبعض زخم الحضارة الإسلامية - : يوحي لأي متعامل مع فكرة
الاحتلال أن يضع في حسابه أن ردود الفعل ستكون عنيفة وطويلة المدى ، ثم إن العراق
يعيش تحت تأثير محصلة القوى المتنافسة الإقليمية ، بل هو جزء مؤثر فاعل في تكوين
هذه المحصلة والمعادلة السياسية والأمنية ، ولذلك ليس من السهل أبداً حتى على مثل
دولة عظمى كأميركا أن تتلاعب باستقرار المعادلة ، وكان على المخطط الأميركي أن
يتعامل مع القضية العراقية برفق ومهارة ، وإلا فإن الحساسيات ستكون أقوى منه ،
والمظنون أن العقلية التخطيطية الأميركية ذات الخبرة الجيدة في التخطيط الاستراتيجي
واستشراف المستقبل قد أدركت ذلك ونصحت بعدم التورط في غزو واحتلال ، واقتنعت وزارة
الخارجية الأميركية بذلك ، والمخابرات المركزية الأميركية أيضاً وبخاصة رئيسها تينت
الذي اُجبر على الاستقالة ، ولكن اللوبي الصهيوني الأميركي هو الذي أغرى نائب
الرئيس تشيني والبنتاغون في شخص وزير الدفاع رامسفيلد وبعض أركان مجلس الدفاع
القومي الأعلى في شخص كوندليزا رايس : أغراهم بالغزو ، لتحقيق مصالح إسرائيل وتنفيذ
خطتها في تحطيم العراق وقدراته ، وكانت استجابة البيت الأبيض ووزارة الدفاع ومجلس
الأمن القومي استجابة خيانية أتوها عن عمدٍ رغم علمهم بأن المصلحة الأميركية تستلزم
عدم الغزو ، ومن هنا انقسم الموقف الأميركي من قبل الغزو - وحتى الآن - إلى طريقتين
وفريقين ، فريق قرر الاحتلال ودفع الأمور لتحقيقه ، وفريق ما كان يريد التورط في
المستنقع العراقي ، وهذا الانقسام هو في حقيقته ضعف وإرباك لصانعي القرار الأميركي
، إذ سرعان ما ركب الحزب الديمقراطي المنافس موجة الاعتراض وأصبح مرشح الرئاسة جون
كيري يعد بالنظر بسحب القوات من العراق إذا فاز ، وهو قد يفعل أو لا يفعل ، لأنه
غير بريء من الحسابات المصلحية الذاتية التي ربما تجعله يرضخ للضغوط اليهودية ،
ولكن حومه حول معنى الانسحاب وترداده يعتبر ثغرة في الجدار الأميركي يمكن أن
تستغلها المقاومة لو كانت لها مهارة إعلامية .
لكن يجب
الانتباه إلى أن كيري إنما يُريد أن يسحب الجندي من ساحة العراق ، ولا يُريد التخلي
عن خُطة تدمير العراق ، وصدرَ عنهُ تهديد مؤخراً بأنه سيستعمل الأسلحة المتقدمة
تكنولوجياً ضد العراق ، وهذا تعبير مُخيف لئيم يجعل كل أنواع الأذى واردة ، من
الضرب بالصواريخ ، إلى الأسلحة الذرية الصغيرة ، إلى تدمير البيئة والمناعة والحالة
الصحية للشعب العراقي ، لينعم اليهود بالأمن .
فمن الواضح
إذاً أن أميركا ما كانت لتجازف مجازفتها في العراق لولا تأثيرات اللوبي الصهيوني
فيها وضغوط الحكومة الإسرائيلية ، وكان بإمكان أميركا تحقيق مرادها ومصالحها عن
طريق التفاهم مع صدام ، وبوسائل سياسية واقتصادية تعفيها من دفع ضريبة دم أميركي
كثير يُراق في أرض الرافدين ، ولكن إسرائيل تريد تحطيم العراق كبلد ، وتحطيم الجيش
العراقي وكُتلته المعنوية والقتالية العالية المستوى ، وتشتيت الطاقات العراقية ،
وتحقيق تقسيم سياسي للعراق يُخرج ثلثي العراقيين من المعركة الفاصلة المستقبلية
معها ، ثم التضييق على كل احتمالات الصناعة التسليحية المتقدمة ، وإفقار العراق
اقتصادياً ، وتحويل مياهه إلى إسرائيل ، مع إدامة جميع هذه السلبيات وتفويت فرص
الاستدراك واليقظة واستئناف البناء عن طريق شبح الحرب الأهلية مرة بعد مرة ، وسلب
الحريات ، ومنع حقوق الإنسان ، وتوكيل خَوَنة يرهقون الناس ويصدونهم عن البناء
والتنمية والتطور ، عبر إلهائهم بالشهوات والهزل والفوضوية وأنماط التربية
العلمانية ، وفي كل هذا ما يوضح أن البصمة اليهودية على قرار غزو العراق بصمة مؤكدة
ثابتة ، والوصول إلى هذا التصور يمنع الاستجابة لأي نوع من أنواع التحليل السياسي
التي يبديها بعض الواهمين من أبناء جلدتنا من أن التعايش مع حقيقة الوجود الأميركي
فرض ، بل هو وجود مشوب باليهودية ، ولا صلح معه ولا تهاون ، ولا طريق سوى الجهاد .
الأنفاس الحضارية العراقية تُبدد الفوضوية الغازية
( 2 ) ثم خطأ
ثانٍ ، وقع فيه المخطط الأميركي حين قاس قضية العراق على قضية أفغانستان قياساً
حرفياً ، رغم فوارق أساسية بين البلدين والقضيتين ، فأفغانستان بلدٌ ليست فيه مدنية
، ولا ثقافة ، ولا إدارة منضبطة ، ولا طبقة وسطى واسعة ذات أثرٍ سياسي واجتماعي ،
والخدمات قليلة والفقر عامٌ والتأخر ضارب أطنابه ، بينما العراق فيه شعب مترف
بالقياس إلى الشعب الأفغاني ، وهو شعب مثقفٌ كثير التخصصات العالية بمقابل الجهل
الأفغاني ، والإدارة راسخةٌ ، والظواهر المدنية عامرة ، والحياة السياسية يسودها
فكرٌ إذ تسود الأعراف القبلية في أفغانستان ، وكل ذلك يجعل احتمال المقاومة الواعية
وارداً ، ويمكن أن تعززها مواقف سلمية وحملات إعلامية وعلاقات مع مثقفي وأحرار
العالم ، بينما المقاتل الأفغاني كان مربوطاً بشيخ القبيلة ولا يوجهه فكرٌ ولا
تخطيط ، وذهول الأميركي عن كل هذه الفوارق سبّب له ورطة كبرى في طريقة التعامل مع
الشعب العراقي في شكل مشاكل إدارية وقانونية أجبرته على تفويض إدارة عراقية وسيطة
قللت من مدى السيطرة الأميركية بالتالي حتى لو انطلقت من منطلق العمالة والطاعة
للأميركان ، بل حتى الهجرة الأفغانية إلى الدول المجاورة أوجدت بالتالي أنماطاً
خاصة من التعامل مع المقاومة الأفغانية ، بينما لم تحصل هجرةٌ عراقية ، وبقي
المجاهد ينطلق من بيته وبتسهيلات من أشقائه وأبناء عمومته ، وكان على المخطط
الأميركي أن ينتبه إلى هذه الفوارق التي تجعل إدامة الاحتلال صعبة ، وتجعل إمداد
المقاومة سهلاً .
استعلاء العراقي يهدم الصَلَف العدواني
( 3 ) اضطرار
الجيش الأميركي لبث الرهبة في نفوس العراقيين عبر أرتاله المتجولة ودورياته الراجلة
أحياناً ، بحيث يتمركزون في تقاطعات الطرق ، وتتجول الدبابات والمدرعات في الشوارع
التجارية ببغداد وجميع المدن وفي المناطق السكنية ، وفي طرق السفر ، وعند بوابات
الوزارات ودواوين الحكومة والمصارف ، والمدارس والجامعات ، وتلك طريقة تقليدية في
الاستعمار كان من الممكن للقيادة الأميركية أن تفكر بنموذج بديلٍ عنها ، ولكن أكثر
الظن أن أطوار التبجح الأميركي ونفسية رعاة البقر وغرور العولمة والتفوق الحضاري
ومقولة تربع أميركا على عرش العالم : كل ذلك أدى إلى المغالطة ومعاكسة الموازين
الأمنية والعسكرية والإصرار على الظهور التفوقي على الشعب العراقي ، في محاولةٍ
واضحةٍ لكسر معنويته وإنزاله عن عرش الطموح الذي عُرف به وطبعه بطابع الترفع
والإباء والعزة والشمم ، واللواذ بالعفاف واحتقار الخيانة ومصافحة الأجنبي ، مما هو
واضحٌ في تفاصيل التاريخ السياسي العراقي منذ الزمن العثماني ، فأدى هذا الفهم
الأميركي المغلوط إلى حالة انكشاف تامٍ لجنوده ، فحصل الإثخان العراقي فيهم ،
وأصبحنا نرى في كل يومٍ في عشر مناطق عشرَ آلياتٍ عسكرية أميركية تحترق ، من بين
دبابةٍ ومدرعةٍ وسيارة همر وصهريج وقود وطائرة هيلكوبتر ، وأصبحت الخسائر الحقيقية
كبيرة ، وإنما تعلن البيانات الأميركية عن عُشرها فقط ، وإذا قال البيان أن جندياً
من المارينز قتلته المقاومة فإن الرقم الحقيقي هو عشرة ، وكم رأينا من دبابة تحترق
ثم لا يرد ذكرها في بيان أبداً ، وهذا الحال جعل الخسائر الحقيقية فوق جميع
التوقعات ، وأوجد نشوة لدى الشعب العراقي ، يقابلها نكوصٌ وهلع لدى الجندي الأميركي
قد يصل به إلى الفرار من الجيش أو الانتحار أو الفرار من أرض المعركة بسرعة ، وكل
ذلك يشكل نوع ضعف في الموقف الأميركي كان يمكن أن تستثمره المقاومة أكثر وأكثر لو
كان لها إعلامٌ قوي ، كالذي حدث من وصول أفلام تسجيلية إلى جميع أعضاء الكونغرس
تصور إبادة رتلٍ كامل ومقتل العشرات من المارينز قرب الفلوجة في عملية كان البيان
الرسمي قد ذكر مقتل جنديٍ واحد فيها وتدمير سيارة واحدة ، فظهر لأعضاء الكونغرس كذب
بيانات البنتاغون ، مما أبدى ثغرة سربت وزارة الخارجية والمخابرات المركزية خلالها
صوراً كثيرةً إلى الصحافة الأميركية مدعومةً بإحصائيات حقيقية أحدثت هزة في المجتمع
الأميركي قبل بضعة أشهر .
إجماع عراقي على أنَّ الديمقراطية المستوردة عارية
( 4 ) ومن
مكامن الضعف الأميركي : حلّ الجيش العراقي تحقيقاً لمصالح إسرائيل التي تخاف منه
تبعاً لقدراته القتالية العملية التي حازها عبر الحرب العراقية الإيرانية ولطبيعة
التعبئة العروبية الإسلامية التي تسيطر على قياداته وضباطه ، وكنا قد أشرنا سابقاً
إلى خطأ حلّ الجيش من ناحية أنه منح المقاومة فرصة تجنيد الضباط المجربين المدربين
كقيادات ميدانية ، والذي نريد التنبيه إليه هاهنا هو وجه آخر للخطأ يتمثل في أن
الإدارة الأميركية بفعلها هذا قد غرست في قلب كل العراقيين من رجال إدارة وأمن
وساسة وحزبيين وقادة فكر : غرست في قلوبهم أنها منحازة انحيازاً تاماً للعدو
اليهودي ، وأنها تريد أن تمكن لخطة تقسيم العراق ، وإضعافه تجاه جيرانه ، وفتح
الباب للشعوبية الإيرانية أن تنتقم وتثأر ، وأن تفتح مجالاً لتركيا أن تستبد تجاه
العراق ، وأن تتيح للحكومة الكويتية أن تثأر أيضاً ، وكل هذه المضار المتفرعة من
حقيقة حلّ الجيش العراقي غرست قناعة لدى أولئك المخلصين من قطاعات الشعب العراقي
السياسية أو الإدارية بأن أميركا لم تأتِ محررة ، ولا راغبةً في إقرار الحرية ،
وإنما جاءت بأنفاس استعمارية مختلطة بالأنفاس اليهودية وأنفاس التعاطف مع الشعوبية
، مما منع توليد طبقة عراقية خيانية متعاونة مع الأميركان كانوا يأملون أن تؤسس
وتكون عريقةً وفاعلةً في آثارها في نواحي الحياة العراقية كلها ، حتى التعليمية
والتربوية وليس السياسية فقط ، وبذلك حرمت أميركا نفسها من الإعانة المحلية ووقع
الثقل التنفيذي بأجمعه عليها ، ما عدا أنفار شواذ من رجال الأقليات وأهل المصالح لا
يخلو منهم بلد ، وهذا التورط بحمل الثقل التنفيذي هو نقطة ضعف كبرى في الخطة
الأميركية يمكن ترجمته بالمقابل إلى نقطة امتياز للصف الجهادي تتمثل في أنه يقاتل
عدواً ظاهر العداوة والكيد والتخريب لا يختلف في تقويم خطره عراقيان ، وقد تكون
أسباب أخرى تحمل بعض العراقيين على عدم المشاركة في المقاومة ، مما وقع في الشمال
والجنوب ، لكنهم لا يستطيعون الخروج عن هذا التقويم للخطر ، ويدخلون ضمن الإجماع في
تشخيصه والإشارة إليه .
أنا وابن عمي على الغريب !!
( 5 ) ومن
نقاط الضعف الأميركي الحرص على إخراج العراق من منظومة الأمن العربي وجامعة الدول
العربية ، وربطه بدل ذلك بمنظومة أمنية جديدة هي ربما إحياءٌ لمنظومة حلف بغداد في
الخمسينات ، بحيث ربما يجعله مرتبطاً بتركيا وباكستان ، مروراً ببعض بلاد مجلس
التعاون الخليجي ، وربط كل هذه المنظومة بحلف الأطلسي في المستقبل وبأجنحةٍ جانبيةٍ
أخرى ، مثل الأمن الإسرائيلي عبر معاهدة سلام وتطبيع ، والأمن الهندي الدائر الآن
في الفلك الأميركي أيضاً ، وهذا هو سر الإلحاح على سلخ العراق من هويته الإسلامية
عبر مناهج التربية المحرّفة التي تريد أميركا تنفيذها ، أو سلخه من هويته العربية
التي هي هوية الغالبية من الشعب ، وواضحٌ ما يختفي في ثنايا هذا التخطيط الأمني من
افتيات على مصالح الأمة الإسلامية كلها وإضعاف للجبهة العربية ، باعتبار أن العراق
يملك مكانةً قيادية في الأمة ، وحماسةً متأججةً عالية المستوى تجاه قضايا الأمة
بعامّة وفلسطين بخاصة ، وقد تربّت أجيال العراقيين بهذه التربية وامتزجت المشاعر
الجهادية بدمائهم ، وانبنى الأدب العراقي الحديث - ثم الفنُ العراقي التشكيلي بخاصة
- على هذا الأساس المسمى عُرفاً بالوطني أو القومي ، وهو في عمومه ينسجم مع الحقائق
العقائدية الإسلامية رغم ما فيه من هنّات وسكرات أحياناً تضيعُ بوفرة الصواب ، ولم
تنجح المساعي الاستعمارية القديمة في تأسيس توجه بابلي أو آشوري مثلاً على غرار
التوجه الفرعوني بمصر ، أو التوجه الفينيقي في لبنان ، ولم تنشأ علمانية مُلحدة
فاقعة اللون تجاهر بالإلحاد ، بل حتى حافظت العلمانية العراقية على وتيرةٍ وطنية
وتصالحية مع بعض مظاهر الإسلام ، وكذلك لم تنشأ بين طبقات السياسيين مجاميع ماسونية
إلا قليلاً ، ولا أشكالها المتجددة في صورة نوادي الاُسُود وأمثالها ، وبقي العراق
عفيفاً نظيفاً من هذه الأمراض الخطيرة رغم ابتلائه بعدد من أنواع الأمراض الطفيفة ،
ولقد نشأت عناصر تبوح بالكفر وتصيح بالعنصرية ، لكنها كانت ضعيفة فردية أو أشبه
بالفردية ، وطوتها الأيام ونسيها الناس ، وبقيت المشاعر الإسلامية الأقرب إلى
النقاء هي السائدة على العموم ، ومن هنا لم تستطع أميركا حتى الآن تسويق خطتها في
إخراج العراق من منظومة الأمن العربي ، لأن دعوتها تصطدم بجدار ثقيل من التربية
والثقافة الشعبية والمفاهيم الموروثة المنحازة انحيازاً قوياً إلى الإسلام أو
العروبة أو الاستعراب ، وفي أدنى حالاتها إلى الذاتية والوطنية والمحلية التي تستمد
من تراث العراق الحضاري ، ولذلك سوف لن تستطيع أميركا تسويق رؤيتها الأمنية في
المستقبل أيضاً وعلى امتداد عشرات السنين القادمة ، لعمق التربية المضادة ، رغم أن
الأحزاب الكردية العلمانية تطيبُ لها هذه التوجهات الأميركية حالياً ، وكل ذلك يعني
أن المخطط الأميركي يطيشُ في العراق ولا يعرف الحقائق الموضوعية الحاكمة والموجهة
لمسيرة السياسة والمجتمع ، وذلك يعني بدوره جهداً ضائعاً وردة فعل عكسية ستظهر في
المستقبل ضد العولمة .