جديدنا : new
 

 

هل ترى ان امريكا ستدعم المالكي ليتولى فترة وزارية جديدة

نعم
لا



 
المجلة العدد العاشر : في معنى قوله تعالى : ( إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً ) صفحة للطباعة

في معنى قوله تعالى : ( إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً )

العلامة محمد يوسف الشاكر

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه .. وبعد :

( لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ ) آل عمران : 28 .

نهى الله ، تبارك وتعالى ، عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين ، وأن يتخذوهم أولياء يُسِرُّون إليهم بالمودة من دون المؤمنين ، وفي الآية تشديدات :


منها قوله تعالى : ( وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ ) أي : من يرتكب ما نهى الله عنه في هذا فقد برئ من الله .

ومنها : أن الله حذر المؤمنين نفسه ، وهو تنبيه لمن يتظاهر بالتقية من المنافقين ، وعباد المصالح الشخصية ، أن الله مطلعٌ على السرائر والنوايا ، وإن يخدعوا الناس فلن يخدعوا علام الغيوب .

ومنها : التذكير بالآخرة والوقوف بين يدي الله في قوله تعالى : ( وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ ) فيحاسب الذين اتخذوا الكافرين أولياء ويعذبهم .

ومنها : التحذير بأن الله يعلم من ينوي التقية وهو كاره لهم ومن يداهن حبا لهم أو طمعا في دنياهم، قال تعالى : ( قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) آل عمران: 29 .
وفي القرآن غير هذه الآية من النذر كقوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً ) النساء :144 .

وقوله : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) المائدة : 51 .

وحذر القرآن من فتنة وفساد كبير ناتجين عن تولي أعداء الله ، قال جل شأنه : ( وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ) الأنفال : 73 .

أما قوله تعالى : ( وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً ) فيلاحظ فيه الآتي :

1. التقاة المذكورة تعني اتقاء شر متوقع بغلبة الظن على العرض أو النفس أو المال ، فإن لم يخف على شيء من ذلك فلا حاجة للتقية .. وبذلك يظهر بطلان من يزعم التملق للأعداء للمصلحة الشرعية ، فإن المصلحة الشرعية لها وجهان : جلب منفعة ، ودفع مفسدة ، والرخصة تنحصر في دفع المفسدة ، وهو التقية المذكورة في الآية الكريمة ، ولا رخصة في التملق لجلب المصلحة .

2. التقية تكون بالظاهر ، لا بالباطن كالمودة للكافرين ، أو تمني نصرهم ، أو نحو ذلك .

عن عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها أخبرته أنه استأذن على النبي (صلى الله عليه وسلم) رجل ، فقال : " ائذنوا له ، فبئس ابن العشيرة " ، أو " بئس أخو العشيرة " ... فلما دخل ألان له الكلام ، فقلت له : يا رسول الله ، قلتَ ما قلت ثم ألنت له في القول ! فقال : " أي عائشة ، إن شر الناس منزلة عند الله من تركه - أو ودعه - الناس اتقاء فحشه " صحيح البخاري ، رقم (5780) ، 5/2271 .

ويروي البخاري أيضاً في الصفحة نفسها عن أبي الدرداء (رضي الله عنه) : " إنا لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم " وفي الحديث : " سيأتيكم ركبٌ مبغضون ، فإذا جاؤوكم فرحبوا بهم " مصنف ابن أبي شيبة رقم (9839) ، 2/354 وسنن البيهقي الكبرى ، رقم (7171) ، 4/114 .

3. التقية لا تتجاوز الإرضاء بالقول عند تحقق الخوف على النفس أو العرض ، قال ابن عباس (رضي الله عنه) :

( ليس التقية بالعمل ، إنما التقية باللسان ) فتح الباري 12/314 ، فأي عمل يقوي أعداء الله على المجاهدين فليس من التقاة المشروعة .

4. لا تنبغي المداراة إلى حيث يخدش الدين ويرتكب المنكر وتسيء الظنون ، ونلاحظ أن كثيراً من الفتن اليوم سببها توسع بعض الناس في الترخص غير المشروع بحسن نية ، مما تسبب في سوء الظن ، وإرباك عمل المجاهدين ، وسفك دماء لا تستحق القتل ، والله المستعان .

عن صفية زوج النبي (صلى الله عليه وسلم) أنها جاءت إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان ، فتحدثت عنده ساعة ، ثم قامت تنقلب ، فقام النبي (صلى الله عليه وسلم) معها يقلبها ، حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة مر رجلان من الأنصار ، فسلما على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال لهما النبي (صلى الله عليه وسلم): " على رسلكما ، إنما هي صفية بنت حيي " .. فقالا : سبحان الله ، يا رسول الله .... وكبر عليهما ، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) : " إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم ، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً " صحيح البخاري ، رقم (1930) 2/715 ، وصحيح مسلم رقم (2175) 4/1712.

فإذا توقع النبي (صلى الله عليه وسلم) سوء الظن به فكيف لغيره أن يطالب الناس بحسن الظن وهو يخالط الأميركان المحتلين ويضحك لهم ويتودد إليهم بأنواع القربات ؟!!

وبذلك يتبين مذهب أهل السنة في التقية ، ووراء هذا التحقيق قولان لفئتين متباينتين من الناس ، وهما الخوارج والشيعة .

أما الخوارج فذهبوا إلى أنه لا تجوز التقية بحال ، ولا يراعى المال وحفظ النفس والعرض في مقابلة الدين أصلاً ، ولهم تشديدات في هذا الباب عجيبة ، منها أن أحداً لو كان يصلي وجاء سارق أو غاصب ليسرق أو يغصب ماله الخطير لا يقطع الصلاة ، بل يحرم عليه قطعها ، وطعنوا على الصحابي بريدة الأسلمي (رضي الله عنه) بسبب أنه كان يحافظ فرسه في صلاته كي لا يهرب ، ولا يخفى أن هذا المذهب من التفريط بمكان .

وأما الشيعة فكلامهم مضطرب في هذا المقام ، ورووا عن بعض أئمة أهل البيت : ( من صلى وراء سُني تقية فكأنما صلى وراء نبي ) !! وحملوا أكثر أفعال الأئمة - مما يوافق مذهب أهل السنة ويقوم به الدليل على رد مذهب الشيعة - على التقية ، وجعلوا هذا أصلاً أصيلاً عندهم ، وأسسوا عليه دينهم ، وهو الشائع الآن فيما بينهم ، حتى نسبوا ذلك للأنبياء عليهم السلام ، وجل غرضهم من ذلك إبطال خلافة الخلفاء الراشدين (رضي الله عنهم) ، ويأبى الله تعالى ذلك .

على أن من أهل السنة من تشدد ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في المنهاج :

( وأما قوله : ( إلا أن تتقوا منهم تقاة ) قال مجاهد : لا مصانعة ، والتقاة ليست بأن أكذب وأقول بلساني ما ليس في قلبي ، فإن هذا نفاق ، ولكن أفعل ما أقدر عليه كما في الصحيح عن النبي (صلى الله عليه وسلم) : " من رأى منكم منكراً .. " ) .

فالمؤمن إذا كان بين الكفار والفجار لم يكن عليه أن يجاهدهم بيده مع عجزه ، ولكن إن أمكنه بلسانه وإلا فبقلبه ، مع أنه لا يكذب ويقول بلسانه ما ليس في قلبه ، إما أن يظهر دينه وإما أن يكتمه ، وهو مع هذا لا يوافقهم على دينهم كله بل غايته أن يكون كمؤمن آل فرعون وامرأة فرعون ، وهو لم يكن موافقاً لهم على جميع دينهم ، ولا كان يكذب ، ولا يقول بلسانه ما ليس في قلبه ، بل كان يكتم إيمانه ، وكتمان الدين شيء وإظهار الدين الباطل شيء آخر ، فهذا لم يبحه الله إلا لمن أكره .. ) .

وخلاصة القول أن للمستضعف مع التقية ثمانية أحوال :

الحالة الأولى : أن يتخذ المسلم جماعة الكفر ، أو طائفته ، أولياء له في باطن أمره ، ميلاً إلى كفرهم ، ونواء لأهل الإسلام ، وهذه الحالة كفر ، وهي حال المنافقين .

الحالة الثانية : الركون إلى طوائف الكفر ومظاهرتهم لأجل قرابة ومحبة دون الميل إلى دينهم ، في وقت يكون فيه الكفّار متجاهرين بعداوة المسلمين ، والاستهزاء بهم ، وأذاهم كما كان معظم أحوال الكفّار ، عند ظهور الإسلام ، مع عدم الانقطاع عن مودة المسلمين ، وهذه حالة لا توجب كفر صاحبها ، إلاّ أنّ ارتكابها إثم عظيم ، لأنّ صاحبها يوشك أن يواليهم على مضرة الإسلام ، على أنّه من الواجب إظهار الحميّة للإسلام ، والغيرة عليه .

الحالة الثالثة : كذلك ، بدون أن يكون طوائف الكفّار متجاهرين ببغض المسلمين ولا بأذاهم ، كما كان نصارى العرب عند ظهور الإسلام ، قال تعالى : ( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ) المائدة : 82 .. قال الفخر الرازي : " وهذه واسطة ، وهي لا توجب الكفر ، إلاّ أنّه منهيّ عنه ، إذ قد يجرّ إلى استحسان ما هم عليه وانطلاء مكائدهم على المسلمين " .

الحالة الرابعة : موالاة طائفة من الكفّار لأجل الإضرار بطائفة معيّنة من المسلمين ، مثل الانتصار بالكفّار على جماعة من المسلمين ، وهذه الحالة أحكامها متفاوتة ، فقد قال مالك في الجاسوس يتجسس للكفّار على المسلمين : إنّه يُوكل إلى اجتهاد الإمام ، وهو الصواب ؛ لأنّ التجسس يختلف المقصد منه إذ قد يفعله المسلم غروراً ، ويفعله طمعاً ، وقد يكون على سبيل الفلتة ، وقد يكون له دأباً وعادة ، وقال ابن القاسم : ذلك زندقة لا توبة فيه ، أي لا يستتاب ويقتل كالزنديق ، وهو الذي يُظهر الإسلام ويسر الكفار ، إذَا اطُّلع عليه ، وقال ابن وهب : رِدّة ويستتاب ، وهما قولان ضعيفان من جهة النظر .

الحالة الخامسة : أن يتخذ المؤمنون طائفة من الكفّار أولياء لنصر المسلمين على أعدائهم ، في حين إظهار أولئك الكفار محبة المسلمين وعَرْضِهم النصرة لهم ، وهذه قد اختلف العلماء في حكمها ..

ففي المدوّنة قال ابن القاسم : لا يُستعان بالمشركين في القتال لقوله (صلى الله عليه وسلم) لكـافرٍ تبعه يوم خروجه إلى بدر : " ارجع ، فلن أستعين بمشرك " .

وروى أبو الفرج ، وعبد الملك بن حبيب أنّ مالكاً قال : لا بأس بالاستعانة بهم عند الحاجة ، قال ابن عبد البر : وحديث " لَن أستعين بمشرك " مختلف في سنده ، وقال جماعة : هو منسوخ ، قال عياض : حملُه بعض علمائنا على أنّه كان في وقت خاص ، واحتجّ هؤلاء بغزو صفوان بن أمية مع النبي (صلى الله عليه وسلم) في حنين ، وفي غزوة الطائف ، وهو يومئذ غير مسلم ، واحتجوا أيضاً بأنّ النبي (صلى الله عليه وسلم) لما بلغه أنّ أبا سفيان يجمع الجموع ليوم أحد قال لبني النضير من اليهود : " إنَّا وأنتم أهل كتاب ، وإنّ لأهل الكتاب على أهل الكتاب النصر ، فإمّا قاتلتم معنا ، وإلاّ أعرتمونا السلاح " ، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة ، والشافعي ، والليث ، والأوزاعي ، ومن العلماء من قال : لا نطلب منهم المعونة ، وإذا استأذنونا لا نأذن لهم : لأنّ الإذن كالطلب ، ولكن إذا أخرجوا معنا من تلقاء أنفسهم لم نمنعهم ، ورام بهذا الوجه التوفيق بين القولين .

الحالة السادسة : أن يتّخذ واحد من المسلمين واحداً من الكافرين بعينه وَليّاً له ، في حسن المعاشرة أو لقرابة ، لكمال فيه أو نحو ذلك ، من غير أن يكون في ذلك إضرار بالمسلمين ، وذلك غير ممنوع ، فقد قال تعالى في الأبوين: ( وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً ) لقمان: 15، واستأذنت أسماءُ النبي (صلى الله عليه وسلم) في برّ والدتها وصِلتها وهي كافرة فقال لها: " صِلِي أمّك " .

وفي هذا المعنى نزل قوله تعالى: ( لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) الممتحنة : 8 .

الحالة السابعة : حالة المعاملات الدنيوية : كالتجارات ، والعهود ، والمصالحات ، أحكامها مختلفة باختلاف الأحوال وتفاصيلها في الفقه .

الحالة الثامنة : حالة إظهار الموالاة لهم لاتّقاء الضر وهذه هي المشار إليها بقوله تعالى : ( وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً ) .

والله تعالى أعلم ... وصلى الله على سيدنا مُحمد وعلى آله وصحبه وسلم .

عفوا، التعليقات غير ممكنه لهذا المقال.
 

يوجد حاليا (473) شخص يتصفحون الموقع