طوبى لمن لم تُغيره الفتن
في درب
الحياة ضيعت نفسي ثم وجدتها في فناء الله ، وفي متاهات الطريق فقدت غايتي ثم
ألفيتها في كتاب الله ، وفي زحام الموكب ضللت رحلي ثم وجدته عند رسول الله (صلى
الله عليه وسلم) في كلمات الداعية الأول وهو يعلنها للدنيا بأسرها :
( والله ، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن اترك هذا الدين ما تركته
حتى يظهره الله أو اهلك دونه ) تاريخ الطبري ( 2/315 ) ، وسيرة ابن هشام ( 1/284-
285 ) .
إن تلك
الكلمات يجب أن تكتب بماء الذهب ، وأن ينقشها كل مسلم في قلبه لأن فيها درس الثبات
والتعالي على المغريات ، وما أحوجنا إليها ونحن نعيش زمن المحن وفي ظل شباك المحتل
التي تريد أن تغيب هويتنا الإسلامية بتغييب المخلصين الصادقين ، فالثبات معناه أن
يظل المسلم المجاهد في سبيل غايته مهما بعدت المدة وطالت السنون حتى يلقى الله
تعالى على ذلك وقد فاز بإحدى الحسنيين ، فإما الغاية ، وإما الشهادة في النهاية (
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم
مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً )
الأحزاب : 23 .
إن كثيراً من
الناس يبقون في الطريق ما دام الريح رخاء والسماء صحواً والجو صافياً ، فإذا اكفهر
الجو وتلبدت السماء بالغيوم وعصفت الريح ضعف احتمالهم وانقطع سيرهم كالذي وصفه اله
تعالى بقوله : ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ
أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى
وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ )
الحج : 11 .
ومن الناس من
يصبر على البلاء ، فيثبت في الشدائد ، ولكنه يضعف أمام المغريات وأعراض الدنيا ،
فإذا عرض عليه المال أو لوح له بمنصب : سال له لعابه وفقد توازنه ونسي ما كان يدعو
إليه من قبل .
نعم ، إنه
زمن أقبلت فيه الفتن ، فطوبى لمن لم تغيره هذه الفتن ، فبقى الله هو غايته ، والدين
أغلى عنده من المال والأهل والولد ، فعاش عظيماً ومات عظيماً .
اسمع إلى
أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) كيف ينظرون إلى الدنيا ، فهذا سعد بن أبي وقاص (رضي
الله عنه) يقدم على سلمان (رضي الله عنه) يعوده ، فبكى سلمان ، فقال سعد : ما يبكيك
يا أبا عبد الله ؟ توفي رسول الله وهو عنك راض وترد عليه الحوض وتلقى أصحابه ! فقال
سلمان : ما أبكي جزعاً من الموت ولا حرصاً على الدنيا ، ولكن رسول الله (صلى الله
عليه وسلم) عهد إلينا فقال : ( لتكن بُلغة أحدكم في الدنيا كزاد راكب ) .. وحولي
هذه الأوساد .. يا سعد ، اذكر الله عند همك إذا هممت ، وعند يديك إذا قسمت ، وعند
حكمك إذا حكمت .
فلتبق هذه
الأمثال درساًَ لنا في الثبات في زمن المحن ونردد : ( فَاتَّقُواْ اللّهَ
وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ ) الأنفال : 1 .
ولا ننس أن
الدنيا مهما طالت فهي قصيرة ، وأن الآخرة هي دار القرار ، وصدق الشاعر حين قال :
يا من يعانقُ
دنيا لا بقاءَ لها
يُمسي ويصبح في دنياه سفارا
هلا تزكت لذي
الدنيا معانقة
حتى تعانق في الفردوس أبكارا
إن كنت تبغي
جنات الخلد تسكنها
فينبغي لك أن لا تأمن النارا