يا لسان .. قبل أن تندم !!
من أراد أن
يسلك مدارج السالكين والوصول إلى رضى رب العالمين : فعليه التخلص من كل ما يثقله أو
يعرقله في الوصول إلى هدفه المنشود .
والمجاهد
الرباني القاصد إلى النصر والتمكين والشهادة والخلود في جنات النعيم لا بُد له من
الحفاظ على لسانه وقلبه من أن ينالها " فايروس الآفات " فيخرج من الدنيا صفر اليدين
.
فاحذر أخي
المجاهد من تلك الآفات التي تحاول أن تخترق لسانك وقلبك ، ولا تتركها من دون رقيب
فيورداك المهالك ، وكن دائم اليقظة ، وسنعرض لك بعض تلك الآفات ، لعلنا أن نكون
المرآة أو العين المبصرة لك ولغيرك في ضبط هذين العضوين .
يقول الإمام
الغزالي رحمه الله : " فإن اللسان من نعم الله العظيمة ولطائف صنعه الغريبة ، فإن
صَغُرَ جُرمه ، عَظُمَ طاعتُه وجُرمه ... واللسان رحب الميدان ليس له مراد ولا
لمجاله منتهى وَحد ، له في الخير مجالٌ رحب ، وله في الشر ذيلُ سحب ، فمن أطلق عذبه
اللسان وأهمله مرضي العنان سلك به الشيطان في كل ميدان وساقه إلى شفا جرف هار إلى
أن يضطره إلى البوار ، ولا يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ، ولا
ينجو من شر اللسان إلا من قيد بلجام الشرع ، فلا يطلقه إلا فيما ينفعه في الدنيا
والآخرة ويكفيه عن كل ما يخشى غائلته في عاجله وآجله" .
وقد جعل
الرسول (صلى الله عليه وسلم) النجاة بالصمت حين سال الصحابي الجليل عقبة بن عامر (رضي
الله عنه) رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن النجاة فقال : ( أمسك عليك لسانك ،
وليسعك بيتك ، وابكِ على خطيئتك ) رواه الترمذي .
وقد تكفل
رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بمن بحفظ لسانه وفرجه أن يكون ضامناً له الجنة فقال
: ( من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة ) رواه البخاري .
ولا يستقيم
إيمان العبد إلا بعد استقامة لسانه مصداقاً لحديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم):
( لا يستقيم إيمان عبدٍ حتى يستقيم قلبه ، و لا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه )
رواه أحمد .
إعلم - أخي
المجاهد - أن كل صباح يخرج عليك تذكر أعضاؤك اللسان أن يتقي الله فيها ، فإن
استقامتها على الطريق مرهونة به فقال (صلى الله عليه وسلم): ( إذا أصبح ابن آدم فإن
الأعضاء كلها تكفر اللسان فتقول : اتق الله فينا ، فإنما نحن بك ، فإن استقمت
استقمنا ، وإن اعوججت اعوججنا "أخرجه الترمذي وأحمد .
وقد حثنا
رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على السكوت إلا في الخير فقال عليه الصلاة والسلام
: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ) رواه البخاري .
والكلام
أربعة أقسام عند الإمام الغزالي:
القسم الأول
: فيه ضرر محض ، القسم الثاني : فيه نفع محض ، القسم الثالث : فيه ضرر ومنفعة ،
القسم الرابع : ليس فيه ضرر ومنفعة .
فقال عن هذه
الأقسام رحمه الله : " أما الذي هو ضرر محض فلا بد من السكوت عنه ، وكذلك ما فيه
ضرر ومنفعة لا تفي بالضرر ، وأما ما لا منفعة فيه ولا ضرر فهو فُضُول ، والاشتغال
به تضييع زمان ، وهو عين الخسران ، فلا يبقى إلا القسم الرابع ؛ فقد سقط ثلاثة
أرباع الكلام وبقي رُبع ، وهذا الربع فيه خطر ، إذ يمتزجُ بما فيه إثم ، من دقيق
الرياء والتصنُّع والغيبة وتزكية النفس ، وفضول الكلام ، امتزاجًا يخفى دركُه ،
فيكون الإنسان به مخاطراً ) .
وهذا ما أخبر
به الصادق المصدوق فقال : ( كل كلام ابن آدم عليه لا له ، إلا أمر بمعروف أو نهي عن
منكر أو ذكر الله ) رواه الترمذي .
قال عبد الله
بن مسعود (رضي الله عنه) : " والله الذي لا إله إلا هو ليس شيء أحوج إلى طول سجن من
لساني " وكان يقول : " يا لسان ، قل خيراً تغنم ، واسكت عن شر تسلم ، من قبل أن
تندم " .
وعن أبي
الدرداء (رضي الله عنه) قال : " أنصف أذنيك من فيك ، وإنما جعل لك أذنان وفم واحد
لتسمع أكثر مما تتكلم " .
وعن الحسن
البصري قال : " كانوا يقولون : إن لسان المؤمن وراء قلبه ، فإذا أراد أن يتكلم بشيء
تدبره بقلبه ثم أمضاه ، وإن لسان المنافق أمام قلبه ، فإذا هم بشي أمضاه بلسانه ولم
يتدبره بقلبه " .