مجتمع الفتنة .. حيث لا جهاد !!
إن لله في
كونه سنناً وقوانين لا تتبدل ، أودعها الله في كتابه الخالد ، وجسّدها في تاريخ
البشر وقائع تتلى وأحداث تروى ، والعاقل الحصيف هو الذي يقلب بصره في استخلاص هذه
السنن من مصدريهما (القرآن والتاريخ ) لترتسم أمامه قوانين الحركة التاريخية حتى
يسير بعدها في أرض الله مستنيراً بهدي الله ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأوْلِي
الْأَبْصَارِ ) النور : 44 .
من الأسباب
التي تساعد المسلمين على العودة إلى الخلافة الراشدة : معرفة العوامل والأسباب التي
أدت إلى زوالها لكي نعمل على اجتنابها والأخذ بالأسباب التي جعلها الله سببا في
إكرام الأمة ، لذلك نريد أن نفهم الأسباب التي أدت إلى مقتل عثمان بن عفان
(رضي الله عنه) لأهميتها من جهة ولعلاقتها بالواقع
العراقي وخاصة واقع المقاومة ، لأننا إذا أردنا أن ننهض بواقع المقاومة لا بُد أن
نرقى بأفرادها إلى صفات جيل التمكين .
يقول الأمام
الزهري : " ولي عثمان اثنتي عشرة سنة أميراً للمؤمنين ، أول ست سنوات منها لم ينقم
الناس عليه شيئاً ، ثم حدثت الفتنة بعد ذلك " .
وحتى نفهم
القضية ، لا بد أن نعرف الفرق بين المجتمع الذي كان في زمن الصديق والفاروق رضي
الله عنهما والنصف الأول من خلافة عثمان (رضي الله عنه) وبين المجتمع في النصف
الثاني من خلافته (رضي الله عنه) .
المجتمع في
خلافة الشيخين والنصف الأول من خلافة عثمان (رضي الله عنه) كان يتصف بالصفات الآتية
، وهذه الصفات هي صفات جيل التمكين ، وهي التي أهلت هذا المجتمع لإقامة الخلافة
الراشدة :
1. كان
مجتمعاً في عمومه مسلماً بكامل معنى الإسلام ، عميق الإيمان بالله واليوم الآخر ،
مطبقاً لتعاليم الإسلام بجدية واضحة ، فالدين بالنسبة له هو الحياة وليس شيئاً
هامشياً ، إنما هو حياة الناس ، ليس فقط في مجال العبادات وإنما من خلال الأخلاق
والمعاملات .
2. أنه مجتمع
تحقق فيه المعنى الحقيقي للأمة ، فليست الأمة مجرد مجموعة من البشر جمعتهم وحدة
اللغة والأرض والمصالح ، فهذه الروابط التي تربط البشر في الجاهلية ، أما الأمة
الربانية فهي الأمة التي تربط بينها رابطة العقيدة .
3. أنه مجتمع
جاد مشغول بمعالي الأمور لا بسفاسفها ، وليس الجد بالضرورة عبوساً وصرامة ولكنه روح
تبعث الهمة وتحث على النشاط والعمل والحركة .
فهذه السمات
هي سمات المجتمع المسلم في أعلى آفاقه ، وهي سمات المجتمع المؤهل لإقامة الخلافة
الراشدة ، وساعدت في نشر هذا الدين بالسرعة العجيبة ، وهي سمات جيل النصر والتمكين
، وليست حالة مثالية ، إنما هي في متناول أيدينا نستطيع بعون الله وقوته أن نصل
بالمجتمع وخاصة المجاهدين إلى هذه الصفات ، لأننا إذا وصلنا بالمجاهدين إلى هذا
المستوى من الصفات فإننا سننال النصر ( الخلافة الراشدة ) إن شاء الله قال تعالى :
( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم
مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن
كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) النور : 55 .
أما عن سمات
المجتمع في الشطر الثاني من خلافة عثمان فقد أصبح مجتمعاً غير متجانس بسبب توسع
الدولة الإسلامية وحركة الفتوح ، فالتغييرات التي حصلت في المجتمع في مختلف
القطاعات ، ومنها :
1. قطاع
الصحابة الذين أخذوا قسطاً كافياً من التربية على يد النبي (صلى الله عليه وسلم)
ومعهم الذين نالوا قسطاً من تربية الصحابة ، هذا القطاع ظل يتناقص عن طريق القتل في
ميادين الفتوح أو عن طريق التفرق في الأمصار مما جعلهم أقل حضوراً ، وهم يمثلون جيل
النصر والتمكين الذي حصل على قدر كافٍ من التربية الإيمانية والقرآنية .
2. سكان
المناطق المفتوحة ، وهؤلاء دخلوا عن طريق التوسع الأفقي للدولة الأسلامية عن طريق
الفتوح ، وحملوا أفكاراً وثقافات وعادات ظهرت على شكل ألوان مضطربة وخروقات غير
منتظمة وجعلت المجتمع غير متجانس ، وكان الأعاجم الذين جاؤوا من البلاد المفتوحة من
أسرع الناس إلى الفتنة لأن أغلبهم من الأمم الموتورة وأسباب استجابتهم للفتنة هي :
أ. الجهل
وحداثة عهدهم بالكفر والملك والعز الذي كانوا عليه .
ب. العصبية
وكراهية العرب .
ج. إن طوائف
منهم دخلت الإسلام ظاهراً وخوفاً من السيف أو الجزية وأضمروا للإسلام الشر والكيد
فيسارعون إلى كل فتنة .
ووجود هذه
الفئة في المجتمع الإسلامي يمثل خطراً على المجتمع وعلى العمل الجهادي ، لأنها تمثل
قنبلة موقوتة تنفجر في أي وقت بشكل تمرد عنيف ، ومثل هذه الفئة موجودة الآن ضمن
العمل الجهادي في العراق ، فهناك جهلة وقليلو فقه في الدين ، وهناك من عنده عصبية
قبلية ، وهناك من دخل العمل الجهادي خوفاً من ضغط الواقع أو طمعاً في المغنم ، فهذه
النماذج أسرع من غيرها للفتنة ، ووجودها يؤخر النصر والتمكين .
فلا بُد
للمشروع الجهادي من تهذيب للصف ومن استيعاب الجميع في مشروع تربوي وإعداد جيل
إيماني متربي على معاني القرآن ليكونوا رصيداً للعمل الجهادي في المستقبل .
3. الأعراب
وسكان البادية ، وهؤلاء يمثلون قطاعاً آخر ومعوقاً للعمل الجهادي ، وسرعة استجابتهم
للفتنة لنفس الأسباب الماضية ويضاف إليها :
أ. تشددهم في
الدين وتنطعهم بلا علم ، لذلك صار غالب الخوارج – سابقاً ولاحقاً - من هذا الصنف .
ب . تغرير
أهل المطامع بهم واستغلال سذاجتهم .
هذه بعض صفات
المجتمع الذي استجاب للفتنة التي كانت نتيجتها مقتل سيدنا عثمان (رضي الله عنه).
فإذا أردنا
النصر والتمكين فعلينا أن ننظر إلى المجتمع في عصر النبوة والخلافة الراشدة ( عصر
أبي بكر وعمر رضي الله عنهما والشطر الأول من خلافة عثمان (رضي الله عنه) ) ،
ونحاول الارتقاء إليه حتى نصل إلى النصر والتمكين إن شاء الله تعالى .