قالها الـمُخلّفونَ أمس .. ويكررونها
اليوم:
لا تَنْفِروا في الحَر !!
أسامة المسترشد
حينما تجهز
الروم لغزو بلاد الإسلام في السنة التاسعة للهجرة : حشَّد رسول الله (صلى الله عليه
وسلم) المسلمين " كافة " لمواجهتهم ، ولم يتخلف أحد عن جيش العسرة إلا المنافقون
الذين ( رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ
فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ ) .. ( هؤلاء الذين هم نموذج لضعف الهمة ، وطراوة الإرادة ;
يشفقون من المتاعب ، وينفرون من الجهد ، ويؤثرون الراحة الرخيصة على الكدح الكريم ،
ويفضلون السلامة الذليلة على الخطر العزيز ، وهم يتساقطون إعياء خلف الصفوف الجادة
الزاحفة العارفة بتكاليف الدعوات ).
لم يكتف
هؤلاء بالقعود ، بل أخذوا ينفثون سمومهم داخل الصف الجهادي عبر التخذيل ونشر
الأكاذيب والفتن ، فمرة يعتذرون عن الجهاد بسبب فتنة نساء الروم ( وَمِنْهُم مَّن
يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي ) ، أو أخرى فيها ( فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ
بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ
بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي
الْحَرِّ .. ) ..
وحينما غزتْ
روم اليوم " أميركا " العراق ، برزَ لهم المجاهدون بصدور عامرة بالإيمان واليقين
بنصر الله ، مقتدين بنفرة النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه (رضي الله عنهم) في
جهاد الدفع ضد المحتل الغاصب ..
وكما أن
للسلفِ المجاهدين خَلفاً ، فإن للمنافقين المخلفين خَلفاً في أرض العراق ، فهم
يعتذرون عن التصدي للاحتلال وجنده بحجج واهية تعبر عن نفوسهم الهزيلة المسترخية
التي لا تصلح لشيء مما يصلح له الرجال ، مرددين مقولة سلفهم : لا تنفروا في الحر !
لا تنفروا في
حر الفتن اليوم .. فلا نعلم جهة صادقة نجاهد معها !!
لا تنفروا
ونار الأميركان تهزم أعتى القوى .. فلِمَ المواجهة معها ، وهي راحلة اليوم أو غداً
؟!!!
لا تنفروا في
حر الأزمات ، فالمعيشة صعبة ، وبالكاد نقوى على سد رمق أهلينا !!!
لا تنفروا في
حر الاعتقالات ، فلا نقوى على تعذيب العتاة !!!
لا تنفروا في
حر المداهمات ، فنريد أن ننعم بالسلام !!!
لا تنفروا ..
فلا أحد يستحق النفرة !!!
لا تنفروا
... لا تنفروا .. لا تنفروا ...
هذا ديدن
المرجفين من قبل ومن بعد .. وهم في يومنا كُثر ، فصاروا جمعيات وتجمعات وأحزاباً
ومنظمات وهيئات وحكومات ووزارات ومعسكرات ، وصعد صوتهم ورصيدهم في هذه الدنيا
الزائلة ، ولكنهم قوم لا يفقهون !!
( فَلاَ
تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ
لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ
كَافِرُونَ ) .
فلا وزن
لحياتهم ولا لأموالهم ولا لمناصبهم ، فهم أحقر من أن يكرموا ، لأنهم رضوا بالقعود
أول مرة ، ورضوا بحياة الذل التي جاء بها المحتل ، ولم تتمعر وجوههم غضباً لما يجري
في البلاد من انتهاكات وجرائم بأيدي الغاصبين .
( إن للذل
ضريبة ،كما أن للكرامة ضريبة ، وإن ضريبة الذل لأفدح في كثير من الأحايين ، وإن بعض
النفوس الضعيفة ليخيل إليها أن للكرامة ضريبة باهظة لا تطاق ، فتختار الذل والمهانة
هرباً من هذه التكاليف الثقال ، فتعيش عيشة تافهة رخيصة ، مفزعة قلقة ، تخاف من
ظلها ، وتفرق من صداها ، يحسبون كل صيحة عليهم ، ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ..
هؤلاء
الأذلاء يؤدون ضريبة أفدح من تكاليف الكرامة ، إنهم يؤدون ضريبة الذل كاملة ،
يؤدونها من نفوسهم ، ويؤدونها من أقدارهم ، ويؤدونها من سمعتهم ، ويؤدونها من
اطمئنانهم ، وكثيراً ما يؤدونها من دمائهم وأموالهم .. وهم لا يشعرون ) .
- النصوص بين
قوسين من كلام سيد قطب في ظلال القرآن