تلعب المصطلحات دورا مهما في الحرب الاعلامية, ولأن الاحتلال هو الذي يملك عادة أدوات التفوق الاعلامي فانه سيعتمد سياسة التلاعب الاصطلاحي الذي يساهم في تغـيــيب الحقيقة وخلق مساحة من الغموض تمكنه من تمرير ما يهدف اليه في النهاية . ان القران الكريم حذرنا مبكرا من أن نستغفل من هذه الناحية فقال لنا ( يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم ) البقرة 104 وكلمة( راعنا) ليس فيها شيء من حيث الأصل ولكن اليهود استخدموها تورية لما فيها من دلالة محتملة فنهــى القران المسلمين من استخدامها لكي يقطعوا على اليهود ما يرمون له ، ينظر ابن كثير 1/102 . ان دراسة موجزة كهذه لا يمكن أن تلم بجميع الاصطلاحات التي تعتمدها أبواق الدعاية والتضليل الاستعمارية ولكن يكفينا أن نقدم (نماذج تحليلية) قد تساهم في تشكيل ثقافة عامة كافية لتحصين الذات وتمييز المواقع والمواقف, ومن هذه النماذج :
1-الارهاب : هذا المصطلح الذي لا تمل وسائل الاعـــلام من بثه على مسامعنا صباح مساء, ولكن لو سألت ما معنى هذه الكلمة؟ فانك لن تجد جوابا ! ليس بسبب العجز اللغوي عن التوصل لتعريف واضح (جامع مانع) ولكن هنالك قصد في ابقاء هذه الكلمة بلا معنى محدد ليبقى كيسا مطاطا يمكن استخدامه حسب الحاجة! ولذا تجد ان الابادة الجماعية التي ارتكبها الأمريكان في (هيروشيما ) قديما وفي ( الفلوجة) حديثا لا تسمى ارهابا ! ومقــتل الشيخ أحمد ياسين وهو الرجل القعيد , ومن قبله محمد الدرة الطفل البريءلا يسمى ارهابا بينما قتل الجندي الأمريكي المعتدي على الأرض والعرض يسمى ارهابا !! ان من واجب رجال القانون أيا كانوا أن يقولوا كلمتهم وعلى الأقل أن يعلنوا أن كلمـة (الارهاب) كلمة غير قانونية ما لم يحدد معناها بدقة قابلة للقياس والتطبيق, لا سيما أنهــا من حيث اللغة تحتمل الحق والباطل اذ معناها لغة: التخويف, والتخويف قد يكون مشروعا كما في قوله تعالى( ترهبون به عدو الله وعدوكم) الأنفال 60 وقد يكون محرما كما في تخويف الأبرياء الآمنين ,وقد رتب الاسلام عقوبة شديدة على من يشيع الخوف بين الناس حتى لـو لم يقتل ولم يسرق , جاء في دقائق التفسير 2/24( اذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا , نفوا من الأرض , وهذا قول كثير من أهل العلم) .
2- التطرف : وهو مصطلح أصبح مرادفا تقريبا لمصطلح ( الارهاب) ولكنه في اللغة الوقوف على الطرف أي بــعيدا عن الوسط , ووصف المـــقاومين بالــتطرف معناه أنهــم بعيدون عن الوسطية والاعتدال , وهذا المعنى يبقى غامضا ما لم نتفق على تحديد نقطـــة (الوسط) لكي نقيس مقدار التطرف , فهل الاحتلال هو الذي يمثل تلك النقطة ؟! وبالتالي فكل من يرفض الاحتلال هو متطرف ؟!!
انه ليس غريبا أن يلجأ المحتل لهذه الأساليب الملتوية , لكن الذي يؤسف له حقيقة انتشار هذه الكلمات في وسائل الاعلام العربي بل وحتى عند بعض الاسلاميين( المتنورين) مـــن دون اي تميز عن استخدامات المحتل واطلاقاته مما يجعل هؤلاء في نظر المقاومة محـــل الريبة والشبهة .
3- الانتحار: وهو المصطلح الذي يطلــــقه الاحتلال بديلا عن ( الاستشـــهاد) مستغلا الزاوية المشتركة بينهما وهي الاقـدام على الموت طواعية, متغافلا عن الفوارق الكــبيرة بينهما , حيث أن المنتحر ضعيف جبان لا يصمد أمام تحديات الحياة فيهرب عنها بالموت , بلا ايمان ولا هدف ولا قضية , بينما الشـهيد قوي شجاع يقدم على الموت بقلب مطمئن وثغر باسم , عقيدته واضحة , وهدفه نبيل , فكيف يقاس هذا بذاك؟!
ان الأمم جميعها تخلد أبطالها الذين يقدمون أرواحهم فداءا لأمتهم وعقيدتهم, ونحن أمة الاسلام عندنا من صور الفـدائية والتضحية ما لا يحصر, وقد قال القرآن ( ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) التوبة 111 وقد جاء في الصحاح قصة الــغلام الذي قــدم نفسه للموت طـواعية من أجل دينه ودعوته , فكيف بمن لا يجد ما يدفع به عن دينه وشرفه وأرضه وعرضه الا هذا السبيل؟
4- المدنيون : وهو مصطلح يقابل ( العسكريين) الا أن الاحتلال بدأ يستخدم هــــذا المصطلح بمعنى( الأبرياء) حينما يتعرض عملاؤه وجواسيسه للاستهداف من قبل رجال المقاومة , نعم ان المدنيين هم غير العسكريين لكن قـد يكونون أخطر منهم , فالمدني قــد يكون هو صانع قرار العدوان وهو المخطط له وهو الراسم لأهدافه , والمدني قد يكـــون جاسوسا أو خبيرا أو ممولا , فهل كل هؤلاء لا يجوز استهدافهم ورد عدوانهم؟! لقد ذهلت وانا استمع لأحد المفتين وهو يحرم استهداف وزارة دفاع العدو لأن فيها موظفين مدنيين !
مع أنه من الثابت أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أمر بقتل الكثير من المدنيين الخونة ومنهم كعب بن الأشرف الذي كان يحرض على قتال المسلمين بماله وشعره الرحيق المختوم 219 ثـــم لو أنه اليوم تعارف الناس على عدم قتل المدنيين حتى لو كانوا من تلك الأصناف لقلنا ان الأمر قابل للتفاوض والأخذ والرد ولا نريد أن يظهر المسلمون كالمتشددين في عالم متسامح لكن صدور مثل هذه الفتاوى في ظل الجرائم اليومية التي يروح ضحيتها آلاف المسلمين من المدنيين الأبرياء دون أي تنديد أو استنكار يثير مقدارا كبيرا من الريبة والشك اذ كان على الأقل - لو كان هناك صدق - أن يكون هناك نوع من المساومة المدروسة لحماية دمائــــنا وأعراضنا , أما شد أيادي المسلمين بهذه الفتاوى مع كل ما يحصل لهم فقد يكون تطمينا للعدو حتى من ردود الفعل الغريرية.
5- الرأي الآخر : وهو مصطلح يقصد منه احترام وجهات النظر المختلفة , الا أن الجديد في هذا المصطلح اطلاقه على معان ليس لها علاقة بالآراء والاجتهادات, ومثلا : لقد جـــاء في كتاب معجم المصطلحات السياسية ص 123 ( بائع الوطن : خائن يتعاون مع محتلي بلاده عن طريق الاشتراك في حكومة دمية تقام فيها) وفي ص67 ( الخيانة العظمى : مناصرة المرء أعداء بلاده بما يفشي من أسرارها السياسية والاقتصادية الى دولة أجنبية معادية فهي الخيانة العظمى التي يعاقب عليها القانون الجنائي بالموت ) لكن هذا الخائن والبائع لوطنه أصبح في الكثير من وسائل الاعلام مجرد رأي آخر!!
ان الاجتهاد في الاسلام محترم حتى لو كان خطأ وصاحبه مأجور, لكن الاجتهاد شيء وموالاة أعداء الاسلام والامة شيء آخر , والقران يقول( ومن يتولهم منكم فانه منهم)المائدة 51
6- قوات التحالف : وهو مصطلح شاع بعد احتلال العراق , لكن الغريب ان يستخدم من قبل عملاء الاحتلال أكثر من الاحتلال نفسه !! ربما نجد تفسيرا مقبولا لهذه الظاهرة وهو أن هؤلاء العملاء يحاولون أن لا يظهروا بمظهر الخائن أو البائع لوطنه , لكن الحقيقة أن هذا المصطلح لا يعني شيئا , فهو لا يعطي التكييف القانوني والاخلاقي لوجود هــــذه القوات على هذه الأرض , فهل هم ضيوف على أهل البلد ؟ وكم مدة اضافتهم؟ أم هم قوات سلام دخلوا بتفويض دولي ؟ أم هم غزاة ومعتدون؟ ان استخدام هذا المصطلح يوحي باعفاء هؤلاء المعتدين مما يترتب على عدوانهم , وفيه أيضا تستر على جريمة الخيانة وبيع الوطن.
7- سقوط النظام : وهو المصطلح الذي أخذ يمثل نقطة مفصلية في تأريخ العراق الحديث , والماكنة الاعلامية للعدوان هي التي روجت لهذا المصطلح حتى شاع في بعض الأوساط النظيفة من دون ترو وتفكير, والأصل أن قوات الاحتلال لا تشيع مصطلحا بريئا , هـــكذا ينبغي أن نتعامل معهم , نعم نحن نعرف أن النظام سقط , ولكن التركيز على هذا المصلح يحمل في طياته مخاطر كبيرة ومنها:
أ- اختزال جريمة الاحتلال المتمثلة باسقاط دولة ذات سيادة وتدمير كل مؤسساتها وتعريض شعبها للضياع والمجهول , اضافة الى ما رافق هذا من مذابح جماعية وانتهاكات خطيرة لحقوق الانسان ونهب التراث والثروات وقتل العلماء والمفكرين وتهديم البنى التحتية , ان اختزال كل هذا بسقوط النظام يعني الشيء الكثير بلا شك, ومنها صرف النظر عن كل تلك الجرائم وشغل الناس بمرحلة تأريخية قد مضت .
ب- ان استخدام هذا المصطلح يعني محاولة التستر على الأهداف الحقيقية للاحتلال , فالكل يدرك ان هذه القوات ما جاءت لتقديم المساعدات الانسانية للعراقيين , والدليل اصرارها على البقاء ورفض حتى جدولة الانسحاب رغم الخسائر التي يتكبدونها يوميا ورغم الضغط العالمي لا سيما بعد انكشاف الفضائح الخطيرة من سجن ابي غريب وغيره, وبعد مرور أكثر من سنتين على ( سقوط النظام) .
ج- ان استخدام هذا المصطلح يعني بالنتيجة أن المقاومة لا تدافع عن بلد اسمه ( العراق) وانما تقاتل من أجل ( النظام) وفي هذا محاولة مكشوفة لاضعاف شرعية المقاومة وحرمانها من بعض التأييد.
والحقيقة أن المصطلح المتعارف عليه في مثل هذه الحال أن نقول( سقوط بغداد) لكن هذا المصطلح مؤلم وجارح للقلب وربما هذا ما دفع بعض المخلصين أن يتحاشاه ويستخدم مكانه( سقوط النظام) فهذا أهون على النفس , لكن الحقيقة أن بغداد قد سقطت بيد الـــغزاة بغداد عاصمة الأمة الاسلامية لقرون طويلة , بغداد عاصمة الفقه واللغة والتاريخ والحضارة , وبقدر حجم هذه الحقيقة المرة يظهر الحجم الحقيقي للجريمة التاريخية التي ارتكبها هؤلاء الغزاة , وبنفس القدر أيضا ينبغي أن تتحرك طاقات الأمة من المحيط الى المحيط لاسترداد الهيبة والكرامة أو الموت على ترابها الطاهر.
8- المقاومة السلمية : وهو مصطلح استخدمه أولا بعض الفارّين من ميدان الشرف الحقيقي المؤثرين المصالح الآنية واللاهثين بمنافسات تافهة وراء الفتات التافه, ثم شاع في أوساط أخرى أكثر نزاهة ونظافة , فأصبح بالنتيجة كالجراب الواسع الذي يضم كـــل المتشابهات والمتناقضات!! ولتحليل هذا المصطلح علميا نقول: ان النصف الأول لهذا المصطلح ( المقاومة) يعني بالضرورة وجود عدوان , لكن النصف الثاني( السلمية) يعني العكس !! فكيف يجابه العدوان بالسلام؟! وكيف نجمع بين المقاومة وهي بكل اصنافها نوع من الحرب وبين السلام الذي هو نقيض الحرب؟! ان هناك من يظن أن ( المقاومة السلمية) تعني ( غير العسكرية) وهذا وهم لأن العسكرية تقابلها المدنية وليس السلمية , ولهذا فالمــــــقاومة الفكرية او السياسية او الاقتصادية كلها مقاومة وهي نوع من انواع الحرب وكلها داعم للمقاومة العسكرية , والقران يسمي المتصدق بماله مجاهدا ومقاتلا وما سماه مسالما ( ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله) التوبة111 ولو كان الاستخدام بريئا لهان الأمر ولكنا رأينا من يطعن في المقاومة ويمدح الغزاة ويشكرهم وهو مع هذا يؤمن بـ( المقاومة السلمية)